ثمة رأي شائع لدى غالبية العمال الذين توجهوا إلى مكتبنا، إن لم يكن لدى جميعهم، مفاده أن هناك عبثية في التعامل مع مؤسسة التأمين الوطني (بيطوح ليئومي). نظريًا، لا ينبغي أن يكون هناك أي خوف من التوجه إلى مؤسسة التأمين الوطني، فقد أُنشئ قسم مصابي العمل في المؤسسة لهدف واحد وهو رعاية جمهور العمال.
يدفع العامل شهريًا جزءًا من أجره إلى مؤسسة التأمين الوطني، ويحظى في المقابل بمظلة أمان اقتصادية وصحية واجتماعية. فليست هناك «حروف صغيرة»، ولا يتعلق الأمر بشركة تأمين ملزمة بعرض أرباح وافرة على مجلس إدارتها.
ظاهريًا، ليست لمؤسسة التأمين الوطني مصلحة في عدم الدفع، إذ لا يُفترض أن تكون لها مصلحة كهذه. لكننا نرى عمليًا أنه أينما توجهتم ستجدون صفًا طويلًا من العمال الذين مرّوا بتجربة مزلزلة وغير مريحة بأقل تعبير، خلاصتها عدم القدرة على الحصول على التعويضات والحقوق الكاملة المستحقة لهم بعد إصابة عمل.
من المهم التوضيح أن هذه الصعوبة قائمة لدى جميع فئات العمال: لدى العمال المهنيين والأجيرين والعمال، وكذلك لدى كبار المديرين وحتى المديرين العامين للشركات. وعلى مر السنين توجه إلى مكتبنا أيضًا زملاء في المهنة — محامون لا يتخصصون في التعامل مع مؤسسة التأمين الوطني — وطلبوا هم أيضًا من مكتبنا مرافقة قانونية في إجراءات تحصيل حقوقهم بعد إصابة عمل.
بالطبع، على مؤسسة التأمين الوطني التزام بحماية أموال الجمهور من أولئك الذين يطلبون لأنفسهم تعويضًا لا يستحقونه أو حقوقًا لا تحق لهم بموجب القانون. لكن في الوضع الراهن يبدو أن الأسوار التي أُقيمت لحماية أموال الجمهور تحولت إلى قلعة تمنع مصابي العمل من الحصول على حقوقهم المستحقة.
لا شك أنه ليس كل من يتقدم بمطالبة بشأن إصابة عمل صادقًا. وبطبيعة الحال يضطر قسم مصابي العمل في مؤسسة التأمين الوطني إلى مواجهة هذه المحاولات، ولذلك أُقيم جهاز تحقيقات يجري فحوصات طبية ويستعين بموظفي مطالبات يدققون في كل انحراف طفيف في وصف الحادث، ويستخرجون التاريخ الطبي الذي قد يُستخدم ضد المصاب، ويبحثون عن شكاوى مشابهة في ماضيه الطبي (حتى وإن مرت سنوات طويلة وزال الألم). ولا تتردد المؤسسة في إجراء استجوابات لأصحاب العمل وزملاء العمل وتحريات إضافية، وكل ذلك بواسطة جهاز قانوني واسع يضم عشرات المحامين مهمتهم الوقوف إلى جانب المؤسسة ضد المصاب. يعاني مصابو العمل من انقلاب الموازين: فإن كان الافتراض في الماضي أنك صادق ويجب إثبات أنك كذبت كي لا تحصل على حقوقك، فإن الافتراض السائد اليوم هو أن مصابي العمل يكذبون، فلا يحصلون على حقوقهم وعليهم أن يثبتوا لمؤسسة التأمين الوطني أو بالتوازي للمحكمة أنهم صادقون كي يحصلوا على كامل الحقوق المستحقة لهم بسبب الإصابة في مكان العمل.
إن الجهاز الذي نشأ في مؤسسة التأمين الوطني ومقدمي الخدمات لها مكوَّن من أشخاص كثيرين يتكسبون ويكافَؤون على «الإيقاع» بمصابي عمل يُزعم أنهم كذبوا في مطالباتهم. ويكافَأ هذا الجهاز والعاملون فيه وفقًا للتعويضات والمخصصات والحقوق التي وُفّرت على المؤسسة من منحها للمصابين، ومن هنا تنشأ منافسة وفقدان للموضوعية لدى جميع العاملين في هذا الجهاز الذين يعملون فعليًا بصورة منهجية ضد جميع مصابي العمل في إسرائيل. والأخطر من ذلك أن دولة إسرائيل تفقد، بسبب تضخم هذا الجهاز، جوهر مسؤوليتها الاجتماعية تجاه العاملين في الاقتصاد. وقد صادفنا لدى عملائنا حالات كثيرة من اللامبالاة، وأحيانًا أفعالًا متعمدة من جانب الجهاز العامل لصالح المؤسسة، هدفها إفشال مطالبة محقة.
ومن الأمثلة الخطيرة على ذلك أحد عملاء المكتب، شاب في الثلاثينيات من عمره كان يعمل مشغّل رافعة، خرج من موقع بناء في نهاية يوم العمل، وفي طريقه إلى البيت دهسته سيارة مارة، وقد سببت الإصابة ضررًا بالغًا في الركبة اليمنى مع تمزق في الغضروف الهلالي الإنسي.
توجه مكتبنا إلى مؤسسة التأمين الوطني بمطالبة للاعتراف بإصابة العمل، فاعترفت المؤسسة بالإصابة. لكن فجأة، وبعد الاعتراف، غيّرت المؤسسة اتجاهها وطلبت إجراء فحوصات إضافية دون بيان السبب، وأرسلت محققًا خاصًا إلى بيت المصاب.
وتبين لاحقًا فقط أن صاحب العمل، وهو مقاول قوى عاملة يقدم خدمات للشركة التي شغّلت العامل فعليًا، أصدر قسيمة راتب وهمية من شركة أخرى غير نشطة. أرسلت المؤسسة محققين خاصين للتحقيق مع العميل، وعلى مدى شهور طويلة كررت التحقيق مرارًا وتكرارًا مع استدعاء العميل للعودة إلى التحقيقات.
وإزاء سلوك المؤسسة توجهنا إلى محكمة العمل بدعوى للاعتراف بإصابة العمل. وفي المحكمة ادّعت المؤسسة لأول مرة أن الرفض ليس بسبب القسيمة الوهمية، بل لأنها أجرت فحوصات ولم تحصل على أي تأكيد بأن المصاب عمل في موقع الشركة المشغّلة، وذلك رغم أن الحادث وقع على بُعد أمتار معدودة خارج موقع البناء الذي عمل فيه.
وادّعت المؤسسة أنها حاولت حتى التوجه إلى الشركة المشغّلة للتأكد من أن العميل عمل فعلًا في الموقع يوم الحادث، لكنها لم تتلقَّ معلومات. حقق مكتبنا في الأمر وتوجه إلى الشركة المشغّلة، فتبين وجود تقرير سري أخفته المؤسسة عن المدعي وعن المحكمة.
فبُعيد الحادث وصل محقق من المؤسسة إلى موقع البناء واستجوب مدير العمل الذي أكد أنه رغم أن المدعي ليس موظفًا لدى الشركة المشغّلة بل لدى مقاول يقدم لهذه الشركة خدمات مشغّلي رافعات، فإنه يعرف المصاب ويؤكد أنه عمل في تلك الفترة في الموقع، بل ويعلم أنه أصيب في حادث طرق.
نُقلت كل هذه المعلومات إلى مؤسسة التأمين الوطني وأُخفيت عن المدعي وعن المحكمة. وعندما وردت المعلومات ونُقلت إلى المحكمة، صدرت توصية واضحة للمؤسسة بالموافقة على المطالبة، إضافة إلى غرامة استثنائية على هذا السلوك بمبلغ 2000 شيكل.
ليس كل ما تقرره منظمة كبيرة كمؤسسة التأمين الوطني أمرًا لا يُمس. نحن لا نتراجع أبدًا أمام المهام الصعبة، وقد فعلنا وسنفعل كل ما يلزم لتحقيق تعويض لائق لعملائنا.
كل ما ورد في هذا المقال هو مقال رأي تكوَّن في ضوء خبرة تزيد على عقد من الزمن في تمثيل آلاف المصابين أمام مؤسسة التأمين الوطني.


